شبابى
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الامام أحمد بن حنبل الزء الثامن عشر

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوالوفا احمد ابوالوفا
Admin
avatar

عدد المساهمات : 433
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 20/09/2010
العمر : 36
الموقع : http://abou.sudanforums.net/forum.htm

مُساهمةموضوع: الامام أحمد بن حنبل الزء الثامن عشر   الخميس سبتمبر 30, 2010 1:23 pm

وكان الخليفة المعتصم لقلة حظه من العلم لا يريد أن يخوض في المسألة كلها، فكان يقول كلما اتهموا الإمام أحمد بن حنبل بالكفر: "ناظروه، ناظروه". فوثب أحمد بن أبي دؤاد مغيظا: "يا أمير المؤمنين هو والله ضال مضل مبتدع." وتتابع الفقهاء الحاضرون يشتمون الإمام أحمد بن حنبل فلم يعبأ الخليفة بهم وقال لهم: "ناظروه".
وكانوا كلهم قد ناظروه .. فاقبل ابن أبي دؤاد يناظره.
فلم يلتفت إليه الإمام أحمد.
فسأله الخليفة: "ألا تكلمه؟" فقال أحمد: "لا أعرفه من أهل العلم فأناظره .." ثم استطرد: "يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله عز وجل". فاقبل الخليفة يغري الإمام أحمد ويقول له: "والله إني عليه لشفيق. "ثم قال للحاضرين" والله إن أجابني لأطلقن عنه يدي ولأركبن إليه بجندي.
فلم يزد جواب أحمد على أن قال: "أعطوني شيئا من كتاب الله عز وجل" .. وقال الخليفة لأحمد: "ما أعرفك" فقال أحد الفقهاء الحاضرين وقد أنبه ضميره: "يا أمير المؤمنين. أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتكم والحج والجهاد معكم." فقال المعتصم: "والله إنه لعالم وإنه لعالم وإنه لفقيه. وما يسوءني أن يكون مثله معي يرد عني أهل الشرك. ثم قال: "يا أحمد أجبني إلى شيء فيه أدني فرج لك، حتى أطلق عنك يدي" فقال أحمد: "أعطوني شيئا من كتاب الله عز وجل." ولم يزد على ذلك!
وقام الخليفة مهموما، وأعيد أحمد إلى السجن وأرسلوا إليه من يناظره في السجن وينذره: "أن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس. ويقول إن أجابني أحمد أطلقت عنه يدي." فلم يجبه أحمد..!
وفي اليوم التالي أعيد أحمد إلى مجلس الخليفة المعتصم، وكان الوقت رمضان .. وأحمد قائم ليله صائم نهاره .. وقد أوشك الخليفة أن يطلقه لتهدأ عنه الثورة التي أوشكت أن تنفجر في بغداد غضبا للإمام أحمد. فقال ابن أبي دؤاد: "يا أمير المؤمنين أن العامة تصدقه .. والعامة تقول أن أحمد بن حنبل قد دعا على المأمون فمات، إن العامة وهم حشو الأمة يصدقونه ويتبعونه بالحق والباطل. فإن تركته شجعت عليك العامة وخالفت مذهب المأمون، فيقول العامة أن أحمد غلب الخليفتين".
واستفز هذا الكلام المعتصم فقال: "ناظروه لآخر مرة". وناظروا أحمد في خلق القرآن وفي رؤية الله تعالى فاحتج عليهم بحديث صحيح: "أما أنكم سترون الله ربكم كما ترون هذا البدر "(وكان الرسول مع صحبه في ليلة البدر)! وشك ابن أبي دؤاد في صحة الحديث، فأكد الإمام أحمد صحة الحديث واستشهد بفقيه فقير، مشهور بالأمانة والعفة، يحسن رواية الأحاديث .. ولكنه كان فقيرا جهد الفقر لا يملك قوت يومه، وقد اعتزل الناس، واختفى طوال أيام الامتحان بخلق القرآن، فتركوه. وأسرع إليه بن أبي دؤاد وقد عرف من الجواسيس أين يختفي وسأله عن حاله، فلم يجد معه درهما .. وسأله عن الحديث الذي رواه أحمد في المناظرة أمام المعتصم .. فقال الرجل أنه حديث صحيح .. وألح عليه أن يكذب الحديث وقال أن مجلس الخليفة منعقد وهو ينتظر الجواب، والخليفة في حاجة إلى من يكذب هذا الحديث .. ثم أضاف .. هذه حاجة الدهر .. وأعطاه عشرة آلاف درهم، ومازال يلح حتى قال الرجل: "في الإسناد من لا يعول عليه"! وأسرع به ابن أبي دؤاد يروي ما سمعه على الخليفة في المجلس!! ودمعت عينا أحمد أسفا على المحدث الفقير الذي انهار أمام الحاجة!! وأرجعوا أحمد إلى السجن .. ليعودوا به في اليوم التالي إلى دار الخلافة، فيمروا به على قاعات عديدة حشد فيها سجانون وسيافون غلاظ .. عسى أن يرهبه المنظر .. ويغريه الخليفة الآخر مرة، فيأبى أن يقر بخلق القرآن فيصرخ فيه الخليفة: "عليك اللعن خذوه واسجنوه".
فأخذوا الإمام فعلقوه، وظلوا يضربونه ويقولون له: "أجب" فلا يجب. صبرا يا أحمد .. إنه بلاء في الله شديد.!
واشتد به الوجع واللظى وهو صائم .. وأغمى عليه .. حتى إذا أفاق جاءوه بماء ليشرب. فقال: "لا أفطر".
وطرحوه على وجهه وداسوه بالنعال .. حتى أغمى عليه .. ورأوا دماءه تسيل فملئوا منه رعبا! وعندما أفاق أحمد، أخذ ينظر إليهم بلا اكتراث، ولكنها نظرات يخالجها الازدراء!! ويقول أحد الذين شاهدوا تعذيبه: "ما كنا في عينه إلا كأمثال الذباب". ومن خارج دار الخلافة، اجتمع الآلاف من محبيه وتلاميذه، حتى الذين لا يرون رأيه كانوا ينكرون في صراخ غاضب ما يحدث له. وتعالى هدير الاحتجاج والاستنكار .. وأغراه أحد الحاضرين أن يعترف لينجو من العذاب ويخرج إلى محبيه فقال: اقتل نفسي ولا اقتل هؤلاء جميعا".
ودخل أحد الفقهاء داره على بناته، فوجدهن يبكين ويطالبنه أن يذهب إلى المعتصم مستشفعا للإفراج عن أحمد بن حنبل .. وقال البنات لأبيهن: "أدركوا ابن حنبل قبل أن يضعف من التعذيب. فلأن يرسل إلينا نعي أبينا أهون علينا من أن نسمع أن أحمد بن حنبل قد أذعن!!". ووقف أحد الفقهاء بباب المعتصم يصرخ "أيضرب سيدنا؟! أيضرب سيدنا!؟ لا صبر لنا"وانفجرت الهتافات تلعن ابن أبي دؤاد والمعتصم نفسه! وأوشكت الثورة أن تشغل في بغداد، وكان المعتصم يعد العدة لجهاد الروم .. فلعن الجميع، وأمر أن يعفوه من كل هذا ليفرغ هو للحرب.
وأطلق سراح الإمام أحمد ..
وأعيد إلى بيته يعالج جراحه، ولزم داره مريضا منهكا .. وقيل له: سيعذب الله المعتصم فيك لأنه ضربك وأنت ساجد .. فذكر لهم قول الله تعالى: "وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله". وعندما علم أن المعتصم خرج ليحارب الروم فانتصر وفتح عمورية، فرح الإمام أحمد وقال!! عفا الله عنه بما جاهد في سبيله".
وقد عوتب الجاحظ عن موقفه من محنة أحمد فقال: "لو كان كل كشف هتكا، وكل امتحان تجسسا، لكان القاضي أهتك الناس لستر، وأشد الناس تتبعا لعورة". وكان تعليق أحمد على قوله الجاحظ: "عفا الله عنه". لقد ظل أحمد في سجن المعتصم نحو عامين ونصف عام، يضرب بالسياط ويعذب بالسيف، ويوطأ بالأقدام عندما يسجد في الصلاة .. ويغرونه خلال هذا التعذيب بكل طيبات الحياة إن هو .. عدل عن رأيه، وهو يهمهم لنفسه: إنه لبلاء في الله شديد. وبعد أن شفي أحمد من آثار التعذيب، خرج إلى حلقته، فاستقبلته بغداد استقبال الفاتحين .. ولم يستطع أحد أن يمنع الناس عنه .. وعاد يحدثهم ويعلمهم كما عودهم من قبل. حتى إذا مات المعتصم، وتولى الواثق، حاول أن يسير سيرة المأمون .. وجمع إليه أهل العلم والفلسفة، وحفلت مجالسه بمناظرات علمية وفقهية خصبة .. وناظر هو نفسه في الطب والكيمياء والفلك والرياضيات. وكان مجلسه يجمع المثقفين من جميع الديانات.
ولقد حاولوا أن يغروا الواثق بالإمام أحمد ولكنه سئم هذا الأمر، وخشي الثورة، ورأى أن يترك الناس على آرائهم .. ثم أن القول بخلق القرآن صار مادة لعبث ظرفاء العصر، فقد دخل على الواثق أحدهم يقول به: "عظم الله أجركم في القرآن. فإن القرآن قد مات!". فنهره الخليفة الواثق قائلا: "ويلك! القرآن يموت؟" قال: "يا أمير المؤمنين ألستم تقولون إن القرآن مخلوق؟ فكل مخلوق يموت! فبم يصلي الناس التراويح؟". فضحك الواثق وقال: "قاتلك الله أمسك". حقا لقد سئم الناس، وسئم الحكام .. إلا أن ابن أبي دؤاد .. فمازال بالخليفة حتى استدعى الإمام أحمد فقال له: "لا تجمعن إليك أحدا ولا تساكني في بلد أنا فيه".
فاختفى الإمام أحمد، وحمل إلى الواثق فقيه من الأمصار اشتد في الهجوم على من يقولون بخلق القرآن .. وكان الرجل في الأصفاد، فأمره الخليفة أن يناظر ابن أبي دؤاد .. فقال الرجل: "شيء لم يدع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا الخلفاء الراشدون من بعده وأنت تدعو الناس إليه، ليس يخلو من أن تقول علموه أو جهلوه. فإن قلت علموه وسكتوا عنه، وسعني وإياك من السكوت ما وسع القوم. وإن قلت جهلوه وعلمته أنت، فيا لكع أين لكع، أيجهل رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون، وتعلم أنت!!". فوثب الواثق من مجلسه، وهو يردد كلام الرجل ضاحكا، وأمر بإطلاق سراح الراجل. ولم يعد الواثق إلى امتحان في خلق القرآن .. وانصرف إلى الحرب حتى مات ..
ومات الواثق وتولى ابنه المتوكل .. فاحسن إلى الإمام أحمد وحاول أن يصله بالمال .. ولكن الإمام أحمد ظل على عهده يرفض العطاء. على أنه رخص لأولاده في قبول عطاء الخليفة، وظل يعلم الناس حتى بلغ السابعة والسبعين، فمرض واشتد به المرض، وكان قد أصبح في عصره أوحد عصره حقا .. وقد ألف كبار رجال الدولة أن يخوضوا الطين إلى بيته الواقع في شارع ضيق مترب، موفدين من الخليفة يطلبون منه الرأي. وما كان يبخل بالرأي .. وقال عنه المتوكل: "لو نشر أبي المعتصم وقال فيه شيئا لم أقبله..".
ولم يطل المرض بالإمام أحمد بن حنبل .. فمات بعد أن ترك ثروة ضخمة من الأحاديث والفقه، وهو يوصي اتباعه وأصحابه أن يدعوا إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويذكرهم بأن الله تعالى قال لموسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون: "اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا" .. فالقول اللين واجب في الدعوة .. على أن اتباعه اشتدوا على الناس حين أزعجوهم وجعلوا الأجيال تنسب إلى الإمام ما ليس فيه..!
ولقد أمر المتوكل بالضرب على أيدي اتباع الإمام أحمد حين هاجموا أهل البدع من أصحاب الغناء والطرب ولاعبي الشطرنج .. وحين أفسدوا ملابس النساء بالحبر .. وكان الإمام أحمد قد رخص بهذا للسلطان إن خرج النساء متعطرات متزينات .. وكان النساء قد زحمن شوارع بغداد بملابس وعطور تثير الفتنة .. وملأن ليلها بالمغامرة!! فانتزع اتباع ابن حنبل سلطة الخليفة، وأخذوا لهم يعاقبون الناس .. فأمر الخليفة بأخذ اتباع الإمام أحمد بالشدة، وزج بهم في السجن، ولكنه قال في الإمام أحمد: "لقد عرف الله لأحمد صبره وبلاءه ورفع علمه أيام حياته وبعد موته. وأنا أظن أن الله تعالى يعطي أحمد ثواب الصديقين." ..
على أن الإمام أحمد تدبر قبل موته رأيه في خلق القرآن.
فذهب إلى أن من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، وزعم أنه غير مخلوق فهو مبتدع .. فالقرآن بحروفه ومعانيه هو كلام الله غير مخلوق، وهو من علم الله، وعلمه غير خلقه، فالقرآن غير مخلوق، ولكنه حادث بحدوث التكلم .. والأمر كله لا يستحق المحنة التي سقط بسببها شهداء كمحمد بن نوح، والبويطي الفقيه المصري تلميذ الشافعي، ونال بسببها بعض الفقهاء والعلماء تشهيرا أزرى بهم في عيون الناس، ونال فيها الإمام أحمد أبلغ الأذى .. فالقول بخلق القرآن أو عدم خلقه لا يحقق شيئا من مصالح العباد، ولا يقيم المجتمع الأمثل الذي هو هدف الشريعة!! على أن الإمام أحمد نال بسبب هذا الأذى مكانة كبيرة، فقد كان مثالا خارقا لصاحب الرأي الذي يناضل في سبيل رأيه .. فأكبره الذين يوافقونه والذين يخالفونه على السواء .. إلا الذين في قلوبهم مرض!
ومهما يكن من أمر، فقد واجه عصرا تشيع فيه البدع، فواجهه بالتشدد في الأخذ بالسنة في العقائد والعبادات. وهو عصر يطرح على العقل مستحدثات الأمور، فواجهه الإمام أحمد بالتيسير على الناس في المعاملات. وبهذا حض على الاجتهاد وحذر من التقليد. ولكن مناصريه من أهل السنة ضيقوا على الناس. ثم جاء من بعده اتباع أساءوا إليه، فافترى عليه التزمت، والتضييق وكل ما عاشه يناضل ضده!
وجاء آخرون اجتهدوا على طريقته وتمسكوا بالسنة في مواجهة البدع .. واتخذوا مثله مواقف صلبه فيما يعتقدون أنه الحق .. فأصابهم في ذلك بلاء شديد. ومن الإنصاف للإمام أحمد بن حنبل أن ينزهه الناس بما صنعه بعض الأراذل من اتباعه في العصور المتأخرة. فلا ينسب التزمت وضيق الأفق إلى هذا الإمام العظيم .. الذي كان متبعا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سماحة الخلق، ولين الجانب، والقول الحسن، والبر والورع والتقوى ونصرة المظلوم. من الظلم أن يطلق على المتنطعين والجامدين وعلى كل فظ غليظ القلب: اسم الحنابلة .. فقد كان الإمام أحمد داعيا إلى الحركة، ومواجهة كل عصر بأحكام جديدة يقاس فيها على روح الشريعة، ويؤخذ بمقاصدها العامة .. وكان عدوا للتقليد والجمود، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، متبعا للسنة في كل شيء حتى في أخص دقائق الحياة .. لقد ماتت أول زوجة للإمام أحمد وهو في الستين، فتزوج بعدها بأيام لأنه علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم منذ تزوج لم يعش بلا زوجة .. وماتت الثانية وهو في السبعين، فتزوج بعدها بأيام من جارية له .. ثم أنه تعلم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرجل يجب ألا يعيش بلا امرأة!! وقد أصابه ابن أبي دؤاد بأبلغ الأذى، ولكنه عفا عنه بعد أن خرج من المحنة، ولم يسمح لأحد أن يجرحه أمامه، وبكى الإمام أحمد عندما علم أن ابن أبي دؤاد فجع بفقد ولده!! ..
ودعا الإمام أحمد لكل الخلفاء الذين أساءوا إليه ذلك أنهم جاهدوا في سبيل الله!. وحض اتباعه على تأييدهم .. لقد كان الإمام أحمد يعلم الناس قول الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ما جاء إلا ليتمم وليكمل مكارم الأخلاق .. من أجل ذلك احترم الإمام أحمد أهل الديانات السماوية التي سبقت الإسلام، لأن الرسالة المحمدية، ما جاءت إلا مكملة لها .. وأخذ نفسه وأصحابه بمكارم الأخلاق .. وعلم الناس أن هدف الشرائع جميعا ه العدل لقوله تعالى: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط".
ومن أجل ذلك طالب أهل الشرائع جميعا أن يسيروا في الناس بالعدل، وأن يناضلوا دفاعا عن العدل، فهو قوام الحياة وضمان الحرية، وحصن الإنسان. والإمام أحمد بن حنبل على الرغم من كل خلاف معه، إمام قد أغنى الفقه، ونفع الناس، وأقام السنة وردع البدع .. ولئن أساء إليه بعض اتباعه، فافترى عليه ما هو برئ منه، إنه سيظل بنصاعة سيرته، وصلابة اتباعه للسنة، علما من أعلام الفقه الإسلامي، ودعوة مستمرة إلى التجديد أخطأ أم أصاب .. إنه واحد من أولئك العلماء العظام الذين اجتهدوا بعد عصر الصحابة والتابعين، واختلفوا في مناهجهم، فمنهم من خرج بسيفه على الحاكم الظالم كما صنع الإمام زيد بن علي .. ومنهم من دعا إلى إعمال العقل، وحض على التفكير في خلق السماوات والأرض، واستعمل معطيات العلوم والمعارف الكونية للاستدلال على حقائق الدين، كما صنع الإمام جعفر الصادق مع فهم دقيق معجز للقرآن والسنة ومقاصد الشريعة والعمل على تطبيق مبادئها في الحياة اليومية، حتى لقد رفض الخلافة ليتفرغ للعلم والفقه!
ومنهم من اتجه إلى الأخذ بالرأي وتوسع فيه وأفاد من النظر العقلي كالإمام أبي حنيفة النعمان، الذي لزم الإمام جعفر الصادق سنتين تعلم فيهما الكثير، وإن اختلفا من بعد، حتى قال أبو حنيفة النعمان "لولا السنتان لهلك النعمان". ومنهم من عول على الحديث وحده، ووجد في عمل أهل مدينة رسول الله أخذا بسنة رسول ثم اجتهد فتوسع في الأخذ بالمصلحة على خلاف غيره، كالإمام مالك بن أنس.
ومنهم من اتخذ منهجا وسطا بين الرأي والحديث في استنباط الأحكام وجعل سيرته الخاصة مثلا للبر والتقوى ولسماحة الإسلام وحضه على العدل والإحسان كالإمام الليث بن سعد إمام أهل مصر، حتى لقد كان يأتيه خراج ضيعة له بالفرما (بورسعيد الحالية وما حولها) فلا يمسه بل يضعه في صرر، ويجلس على باب داره ذات العشرين بابا ليوزعه على المحتاجين صرة بعد صرة، ويحسن إلى أقباط مصر اتباعا لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم، فيتخذ منهم الأصدقاء، ويحضهم على نقل ثقافة مصر إلى اللغة العربية، ثم يشتري بيتا من واحد منهم لحاجته إليه، فإذا علم أن صاحب البيت باعه لأنه محتاج بكى وترك له البيت والثمن، وأجرى عليه رزقا!. ثم أعلن في الناس أن ولي الأمر آثم إن ترك أحدا في دار الإسلام له حاجة!! ثم يستنبط من منهجه الوسط بين الرأي والسنة قواعد للمعاملات تقيم العدل بين الناس .. ومن هؤلاء الأئمة العظام محسن زاهد عبد الله المبارك يترك الحج، ويتصدق بكل ما حمل من مال وزاد لفتاة حسناء تبحث عن وقتها وسط المزابل، خشية أن يغريها الشيطان بالبحث عن الطعام في وحل الخطيئة..!.
ومنهم من وضع أصول الفقه وحمل بين جنبيه معطيات السنة والرأي جميعا، وصحح مفاهيم الناس عن السنة والرأي، وجادل أهل الزيغ بمنطق العصر كما فعل الإمام الشافعي.
عاشوا كلهم في سنوات متقاربة، بفكر خصب، كحلقات ذهبية نادرة في سلسلة نورانية .. عاشوا كلهم خلال قرن واحد من الزمان، في أواخر العصر الأموي وأواسط العباسي، وعرفوا البلاء والمحنة فما وهنوا، وما نزلوا عن رأي، وما أحنوا رأسا، بل كانوا كمعدن الحديد تزيده النار صلابة، وكالذهب يكسبه اللهيب نقاء..! ..
ويالله كم نفتقدهم في مثل هذا الزمان!!
ومهما تختلف آراء هؤلاء الأئمة العظام فيما بينهم، فقد احتفظ كل واحد منهم باحترامه لصاحبه أو لمن سبقه، وبفضيلة العرفان .. فكانوا مثالا في أدب الخلاف .. كما كانوا بحق منارات! كلهم جاهد الظلم والقهر، ودافع عن حق الإنسان في الحرية والعدل والسعادة والحياة الكريمة الفاضلة .. وكلهم قاوم قاذورات عصره: من النفاق، والكذب، والزيف والاستغلال!
ومهما نختلف نحن معهم اليوم، فينبغي علينا أن نذكر لهم أنهم سلف صالح أغنوا الحياة الفكرية والفقهية باجتهاداتهم الخصبة، وينبغي علينا أن نتخذهم مثلا رائعة لما ينبغي أن يكون عليه رجل العلم والفقه والفكر .. ذلك أنهم ناضلوا بفكرهم الثري والرائد، ليحققوا المجتمع الذي أرادته الشريعة، وليجعلوا الإنسان على الصورة التي أرادها له الله تعالى حين قال لنبيه الكريم: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } ( القلم ، الآية : 4 )

منقول من موقع نور الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://abou.sudanforums.net
 
الامام أحمد بن حنبل الزء الثامن عشر
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كلنا اخوه :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول :: المنتدى الاسلامى العام :: قسم خاص بالصحابه :: قسم خاص بالشخصيات الاسلامية-
انتقل الى: